إكتساب البُطء .
في عالمٍ يتسم بالسرعة والتشتت، وبالرغبة المستمرة في الإنجاز وكسب الوقت، نفقد المتعة ولذة الحاضر. فنحن دائمًا في ترقّب لما هو قادم، بينما يتسرب الوقت من بين جمال الحياة ونحن في ركضٍ لا ينتهي. فقدنا لذة الانسجام في مراقبة غروب الشمس، وأن نعيش اللحظة الحالية ونُعظّم نصيبها من الاحتفاء والتركيز. دائمًا ما نتصفح هواتفنا برؤوسٍ مائلة وبتمريرٍ عشوائي للمقاطع السريعة، بحثًا عن دفعة من الدوبامين بطريقة تسبب الإدمان والاستنزاف.
أمّا حين نركز وننجز كل أمرٍ على حدة؛ تأكل فقط بلا هاتف، وتقرأ بلا مشتتات، وتمشي حول المنزل بلا شاشة، عندها تتخلص شيئًا فشيئًا من هذا الإدمان وتبدأ بالتأمل وعيش حياة حقيقية مليئة بالتركيز والانسجام.
وحين تهدأ وتتأمل العالم من حولك، وتتشرب اللحظة وتجعلها تنساب بهدوء ورويّة، ستعيشها بالكامل. فالعالم الحالي مُحفّز للتشتت وفعل أشياء كثيرة في وقت واحد، لكن حين تركز وتفعل كل مهمة على حدة ستُنجز أكثر وتنسجم مع ذاتك.
التركيز أمرٌ ثمينٌ في عالم يسرقه كل ما حولك؛ من هاتف أو تلفاز. فالهاتف في جيبك سلاح ذو حدّين: إن أدمنته سرق حياتك، أمّا إن استخدمته بذكاء فتح لك أبواب الفرص؛ ككسب المال من مكانك، والتسويق لنفسك، وامتلاك المعرفة عبر الكتب والمحتوى الصوتي وتطبيق ما يفيدك.
اعتدنا الركض وإنجاز كل شيء بسرعة؛ نأكل دون أن نتلذذ، نرتشف القهوة بينما نمسك الهاتف، ونتحدّث مع العائلة بنصف تركيز. ولكن حين تضع هاتفك في غرفتك بعد إنجاز مهامك، وتجلس مع عائلتك بكامل حضورك، ستنسجم بحديث جميل ونقاشات أعمق، وتمنحهم كامل الوقت والتركيز.
إن أهمية الشيء في حياتك تُقاس بقدر الوقت الذي تمنحه له. تقول إن علاقتك بالله هي الأهم؛ فكم من وقتك تمنحه للعبادة والذكر وقراءة القرآن والصلاة؟ وتتخيل أن العائلة هي الأهم؛ فكم من الوقت تقضيه معهم؟ قِس كل أولوياتك بهذا المعيار.
طبّق قانون البُطء في حياتك، وانسجم مع لحظات يومك بفعل أمر واحد على حدة. امشِ بهدوء، ولا تتعجل الأمور، فلست متأخرًا ولا متقدمًا، أنت في توقيتك المناسب. فالعجلة لا تفيد، وربما تقود للمشكلات. ولهذا أقترح لكم في هذا الموضعكتاب إبطاء وتيرة الحياة، وفي مديح البطء .
قال تعالى: “وعبادُ الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً" .

تعليقات
إرسال تعليق