الوصول إلى الرضا الداخلي .
في عالمٍ يطالبك بالكثير، قد تتوه تحت وطأته؛ فالجميع ينادي بالإنجاز والتغيير وصناعة الجديد. لكن حين تعود إلى ذاتك تشعر أنك متأخر، مكبّل، ومحاط بالمشاكل، عاجز عن الخروج منها، بينما من حولك يبدو أنهم في إنجازٍ وتقدّم.
غير أن هذه نظرة قاصرة؛ فلكلٍّ رحلته العاصفة، وأيامٌ كان غارقًا فيها بالمشاكل وضحالة الحياة، ثم ها هم اليوم ينعمون برغد العيش والفرح بعد الحزن. لكل شخص رحلته ونصيبه من كل ذلك؛ ارضَ بمرحلتك، واستقرّ بها، وافعل كل ما يتطلبه الأمر في وقته، وأخرج مشاعرك في وقتها بغير تحامل أو احتقانٍ مرضيٍّ يخرج في وقتٍ خاطئ فيدمّر الكثير.
في يومك هذا، اجلس لوحدك، وأخرج ورقة وقلمًا، واكتشف ذاتك: ما الأشياء التي أستطيع فعلها اليوم لتحسين وضعي؟ اليوم فقط، ولو بنسبة 1٪. وهكذا في جوانب حياتك الرئيسية؛ حسّن بجزء بسيط ثم استمر، واجعل كرة الثلج تُبنى. بعد سنة ستُذهل بكمية التغيير الكبير الذي حصل، وعدد الإنجازات التي وصلتَ لها، والنفس الناجحة التي اكتسبتها.
لطالما لامك ضميرك على وضعك الحالي، وأنت في نقاشٍ طويل حول فوات الفرص أو لوم فعلٍ خاطئ، وذلك من طبيعة النفس اللوّامة. فإيمانك بطبيعته يخفف وقع الأمر عليك، ويجعلك تفهمه على مجمله، ويكسبك بعض الهدوء والرضا عن وضعك الحالي وما آلت إليه الأمور. فأنت حاليًا في وضعك الأمثل، وواصل إنجازات زرعتها في الماضي، وسعيًا حثيثًا رافقته الشوائب حتى وصلت.
يكتسب عيشك رحابة حينما تركز على عيش لحظتك الحالية؛ فلا تعش في دوّامة المستقبل والماضي. ازرع اليوم، وبادر، وابذل جهدك فيما ينصب نفعه عليك، فتستثمر حاضرك بأفضل طريقة، وتعيش يومك بأمثل صورة تستطيعها، وتسلّم بمشاكل الطريق؛ فهي من طبيعة الرحلة. ولا تركن لبعضها فتكثر لوم نفسك عليها، فلكل منها درس وحكمة لحدوثه؛ بعضها جعلك تفهم الحياة أكثر، وآخر أراك منظورًا جديدًا، وغيره صقل شخصيتك، وفي كل ذلك أجر.
الحوار الداخلي مهم في البناء؛ قليلة هي تلك الأصوات التي تعود بعد الهزيمة فتخبر نفسها بأنها قوية وسوف تنجح وتغيّر الوضع بعد عتمة الرؤية، بينما الأغلب ما بين مشتكي ونائح ولائم لما حوله. أمّا القوي فهو من يتحمّل المسؤولية، وينتشل نفسه من قاع الهزيمة إلى أعالي النجاح؛ وهم صُنّاع المجد والتغيير في هذه الحياة.
ليكن حوارك الداخلي بنّاءً؛ فحينما تراودك الشكوك، وكل ما حولك يخبرك بسوء الوضع، يجب أن يكون هناك ذلك الصوت الذي يشرق بالأمل والتفاؤل، وبرحابة الفرص وجمال الحياة القادمة. فلا تستسلم للمشاكل؛ فهي من طبيعة الحياة، بل تعلّم منها كي لا تسقط بها مرة أخرى، واجعل كل تجربة تصقلك وتنمّيك وتكسبك شخصية قوية تتسم بالإصرار والنجاح.
ختامًا، هي مجموعة من الأمور البسيطة المؤثرة التي تسكب الرضا على حياتك: أولًا تحديد أهداف تسعى لأجلها، فحينما يكون لديك سبب قوي ستستمر في الرحلة، ثم القراءة والرياضة، وتغذية الجانب الروحي بالصلاة وقراءة القرآن والأذكار، والسعي الدائم لتحسين وضعك المادي لتكتسب قوة تعظّم خياراتك في الحياة. ليكن نهجك اليومي تحسينًا بسيطًا تراكميًا في جوانب الحياة الرئيسية، ثم تكبر كرة الثلج، وتنمو تلك الأهداف، وبها تتطور وترقى بالحياة .

تعليقات
إرسال تعليق