القراءة العميقة في عصر السرعة .

   


  نجترُّ خلف تصفّح الهاتف ولا نشعر بالساعات تمضي ونحن نمرّر المقاطع؛ عقولنا مُستنزَفة وحالتنا المزاجية متردّية. يُفرَز هرمون الدوبامين بكميات كبيرة فنقع في إدمانه، نتوقّع أن يحمل المقطع التالي مكافأة فنستمر هكذا لساعات، حتى يسرق العمر من بين أيدينا دون أن نشعر.


ولكسر هذه الدائرة المفرغة علينا القيام بعدة أمور: أوّلها التخفيف من استخدام الهاتف ووضعه بعيدًا في الغرفة، ثم الانخراط في نشاطات يومية كالجلسات العائلية والقراءة والرياضة. ومن أفضل الأساليب أن يكون استخدام الهاتف للبحث عن معلومة أو إجابة لتساؤلاتك، لا أن تُسلِّم عقلك له فتنجرف خلف مقاطع تافهة لا فائدة منها.


في البداية ستنشأ مقاومة حين تُجبر نفسك على قراءة الصفحات الأولى وتشعر بالصعوبة، لكن ما إن تستمر وتُكمل عشر صفحات حتى تجد أنك انسجمت مع القراءة واستمتعت بالكتاب، فتُواصل إلى أن تُنهي حصّتك اليومية.


لقد اعتاد الناس في هذا العصر على السرعة والتمرير السريع ومقاطع العشر ثوانٍ؛ فنملّ سريعًا من أي محتوى طويل ونحاول إسقاط هذه العقلية على كل جوانب حياتنا، فنريد أن يحدث كل شيء على عجل، ونغضب إذا واجهنا بطئًا في بعض الأعمال اليومية.


لكن النقيض هو ما يمنح للحياة معناها؛ أن نتعلّم فنّ البطء ونرتشف تفاصيلها، نتأمل غروب الشمس، نستمتع بلحظات الهدوء وحديث العائلة، ونغتبط بمناقشات الأصدقاء حول أحداث الحياة. هكذا نحيا حياةً اجتماعية عميقة مفعمة بالمعنى، ونتحرّر من عالم إلكترونيّ فارغ.


أمسِك كتابًا وقلمًا ودوّن أبرز الأفكار وما يطرأ في ذهنك من خواطر جديدة؛ لتصبح القراءة تفاعلية، فتتعاظم فائدتها، وتنسجم مع الكتاب، وتقطف ثمار معارفه التي تغذّي حياتك وتنمّي جوانب شخصيتك.


في بداية اكتساب عادة القراءة قد يهجم عليك الملل وتشعر بثقل الصفحات، لكن ما إن تستمر حتى تجد المتعة والفائدة والتغيير الكبير في حياتك. عندها تتغذّى ملكة الفكر بالمعرفة الرصينة، ويتّسع محصولك اللغوي فتعبر عن نفسك بوضوح، وتفهم ذاتك، وتدرك نقاط قوتك فتعزّزها، ونقاط ضعفك فتعالجها. تكتشف أهدافك في الحياة وتضع منظومة يومية للوصول إليها. لذلك كانت القراءة نورًا وبصيرة لأصحابها . 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كتب عميقة مررت بها .

كيف تكتسب القراءة و تستمر بها .

تأثير القراءة على عقل الإنسان .