أسرار الحكمة .


 من صمت كثيرًا تكلّمت حكمته، يُقال إنها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولكن العبرة ليست بالقائل بقدر ما هي بما ترمي إليه هذه الحكمة. صمتك يكسو الأرجاء تفكّرًا؛ فحينما تصمت تسكب البطء على الأحداث من حولك، وتتفسّح في عقول الآخرين، وتكتشف عمق توجّهاتهم، وتحفظ طاقتك لنفسك، فليس كل موقف يحتاج إلى ردّة فعل.


لا تهتم بصغائر الأمور، فكل الأمور صغائر. حين تبذل طاقتك فيما لا يبني حياتك تهدمها جزافًا في التذمّر، والتشكي، ولوم الحال، والمهاترات الفكرية التي يعبدها الفاشلون الذين يمضون حياتهم في لوم الواقع والتذمّر. اهرب منهم كي لا تصيبك لوثتهم.


المشي الطويل يرتّب التفكير، ويكسب العقل الهدوء، ويجعلك تعرف أين خطوتك القادمة، وما الذي يجب عليك فعله في هذه المرحلة من حياتك، وما هو المهم حقًا. بذلك تكتشف نفسك، ونقاط قوتك، ونقاط ضعفك، فتُنفض عن عقلك غبار الروتين، وتقترب من خطوات الإبداع التي إذا طبقتها أشرقت في حياتك النجاحات.


في مجالسة الشخص الذي تطمح أن تكون مثله، أو أفضل منه في مجاله، كنز وفير من الاكتشافات؛ فهو ينير لك الطريق، ويفهمك ما يجب أن تفعله، لأنه اجتاز المرحلة التي أنت بها حاليًا، فترتقي معه إلى مرحلة جديدة من النجاح. لمن تجالس تأثير عميق وغير ملموس، بحيث تصبح مثله دون أن تشعر، فتجد نفسك تتخذ الأسلوب ذاته، والأفكار نفسها، والأفعال ذاتها، وتتشكّل حياتك وفقًا لحياته؛ لذلك يجب أن تنتقي من تجالس، فتخالط الناجحين وتُصاب بعدواهم الرائعة.


في القراءة العميقة تأثير ناعم على عقليتك؛ فتنسجم مع الكلمات، وتخاطب الكاتب في أفكاره، وتنتج أفكارًا جديدة. يتّسع منظورك الفكري، وتتغيّر سلوكياتك برشاقة، وتشرق إلهامات جديدة في عقلك نحو مشروعات تريد تحقيقها، فترى النور في نهاية النفق، وتكتسب معنى جديدًا لسعيك اليومي، فترى الأهداف أمامك وتسعى للوصول إليها، وبذلك تشرق الحياة. وتوازن بين مهام حياتك الأساسية، فتبذل وسعك للالتزام بكل جانب أساسي منها. ففي دقائق يومك أنت تبني أمرًا ما؛ منها ما يعود نفعه على آخرتك، ومنها ما يعود على دنياك، وتكافئ نفسك على الإنجازات، وتتحاور مع ذاتك كصديق عزيز ورفيق دائم في الرحلة.


الحكيم أكثر الناس لطفًا مع نفسه؛ فهو يربّيها، ويزكّيها، ويطلب العون من الله على نفسه والشيطان، ويستمر بالبناء المتوازن في جوانب حياته الأساسية، فيجعل النيران الأربع على الموقد مشتعلة. فتجده يعمّر آخرته بالعمل الصالح، وتارة يقرأ فيغذّي عقله، ويتمرّن فيغذّي جسده، ويمضي وقتًا مع عائلته، ووقتًا في استثماره، فتجد في أوقات يومه المختلفة استثمارًا ذكيًا، لأنه يعرف أن الوقت أثمن ما يملك، فيقول: لا، للعديد من الملهيات التي لا تعود عليه بالفائدة، ويقول: نعم، لنفسه وأهدافه.


تشرق البهجة على حياة المرء حينما يصل، أو يقترب، من الحياة التي يتمناها، فيمتلئ بشعور الرضا عن حياته، بعدما وصل إلى أهداف كبرى، وتعمّق مفهومه للحياة حتى اكتسب البطء وعمق الشعور، فيجد لذتها في العائلة بما فيها من السعادة واللحظات الرائعة، وأن يسعى من الله وإلى الله وفي الله. فعندما يعيش الإنسان حياته لله تكتسب معنى أعمق، ويجد أن للحياة قيمة كبيرة تفوق المنظور القاصر على الدنيا فقط، وإنما يمضي دقائق يومه في أجدر الأمور التي تعود عليه بالخير في دنياه وآخرته.


تجارب الحياة أكبر معلّم لك؛ فحينما تجرّب تستشعر الأمر بالكامل، وتفهم تبعاته، وما يتطلّب فعله من طاقة ومشاعر وتأثيرات مصاحبة، فتحيط بالأمر كاملًا، ويختلف منظورك له، فتكسو تجربتك مفهومًا أعمق وذكاءً أكبر، فتصقل شخصيتك، وتصبح قراراتك أفضل . 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

كتب عميقة مررت بها .

تأثير القراءة على عقل الإنسان .

كيف تكتسب القراءة و تستمر بها .